السيد الطباطبائي
164
تفسير الميزان
يظهر به الأشياء . وقوله عليه السلام : فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين " الخ " يريد أن هذا المقام هو المقام الذي ينشأ منه تدبير نظام السعادة الذي وقع فيه مجتمع المؤمنين وتسير عليه قافلتهم في مسيرهم إلى الله سبحانه ، وينشأ منه نظام الشقاء الذي ينبسط على جميع المعاندين أعداء الله الجاهلين بمقام ربهم بل المقام الذي ينشأ منه النظام العالمي العام الذي يعيش تحته كل ذي وجود ، ويسير به سائرهم للتقرب إليه بأعمالهم وسننهم سواء علموا بما هم فيه من ابتغاء الوسيلة إليه تعالى أو جهلوا . وقوله عليه السلام : " وهو حياة كل شئ ونور كل شئ " كالتعليل المبين لقوله قبله فكل شئ محمول يحمله الله إلى آخر ما قال . ومحصله أنه تعالى هو الذي به يوجد كل شئ وهو الذي يدرك كل شئ ، فيظهر به طريقه الخاص به في مسير وجوده ظهور الطريق المظلم لسائره بواسطة النور فهي لا تملك لانفسها شيئا بل الله سبحانه هو المالك لها الحامل لوجودها . وقوله عليه السلام : هو هيهنا وهيهنا وفوق وتحت " الخ " يريد أن الله سبحانه لما كان مقوما الوجود كل شئ حافظا وحاملا له لم يكن محل من المحال خاليا عنه ، ولا هو مختصا بمكان دون مكان ، وكان معنى كونه في مكان أو مع شئ ذي مكان إنه تعالى حافظ له وحامل لوجوده ومحيط به ، وهو وكذا غيره محفوظ بحفظه تعالى ومحمول ومحاط له . وهذا يؤل إلى علمه الفعلي بالأشياء ، ونعني به أن كل شئ حاضر عنده تعالى غير محجوب عنه ، ولذلك قال عليه السلام أولا : " فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى " فأشار إلى الإحاطة ثم عقبه بقوله : " وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى " فأشار إلى العلم فأنتج ذلك أن الكرسي ويعني به العرش مقام الإحاطة والتدبير والحفظ ، وأنه مقام العلم والحضور بعينه ، ثم طبقه على قوله تعالى : " وسع كرسيه السماوات والأرض " الآية . وقوله عليه السلام : " وليس يخرج عن هذه الأربعة شئ خلق الله في ملكوته " كأنه إشارة إلى الألوان الأربعة المذكورة في أول كلامه عليه السلام وسيجئ كلام فيها في أحاديث المعراج إن شاء الله .